محمد أبو زهرة

2132

زهرة التفاسير

من عادة الغربان حفر الأرض لدفن الأشياء ، فلما رأى قاتل أخيه الغراب يحفر الأرض اهتدى إلى حفر الحفرة التي ألقى فيها جثة أخيه القتيل . والكثيرون من المفسرين على أن غرابين تناقرا فمات أحدهما ، فدفنه الآخر بحفر حفرة في الأرض . والحق أن الآية الكريمة نصت على أن الغراب قد أخذ يبحث في الأرض ، حتى حفر حفرة ، دفن فيها شيئا أو طيرا ميتا ، ولم تتعرض لكون المدفون طيرا أو غير طير ، ولا لكون الطير مات بقتل الدافن ، أو مات بسبب آخر ، والآية الكريمة بينة واضحة المقصد من غير فرض واحد من هذه الفروض بعينه ، وما دامت الأخبار التي لا مناص من قبولها لصدقها غير موجودة فليس لنا أن نفرض واحدا من هذه الفروض بعينه ، والفرض الواحد الذي يقتضيه بيان الغرض والمغزى هو أن نفرض أن الغراب أخذ يحفر في الأرض ، حتى أتم حفرة وضع فيها شيئا ، فعلم القاتل الجهول أن ذلك هو الطريق لدفن أخيه . وأصل كلمة « يبحث » معناها كشف أو دق الأرض أو حفرها ، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني : « البحث » الكشف والطلب فيقال بحثت عن الأمر ، وبحثت كذا ، قال تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي . وقيل بحثت الناقة الأرض بأرجلها في السير إذا شددت الوطء تشبيها بذلك . والمعنى : أن الغراب أخذ يدق بمنقاره مثيرا للأرض ، حتى حفر حفرة فيها ، ثم دفن ما شاء أن يدفنه ، وأنه دأب في ذلك وقتا طويلا بدليل التعبير بقوله يَبْحَثُ بالمضارع بدل الماضي ، لأن في التعبير بالمضارع إشارة إلى حال استمرت لا إلى واقعة وقعت فقط ، فالتعبير بالمضارع عن أمر مضى لبيان أن الفعل مكث وقتا وكان مجال استمرار .